الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

674

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

فاعلم - منحنى اللّه وإياك التمتع بذاته القدسية في الحضرة الفردوسية - أن اللّه تعالى قد اتخذ من الجنان دارا اصطفاها لنفسه ، وخصها بالقرب من عرشه ، وغرسها بيده ، فهي سيدة الجنان ، واللّه يختار من كل نوع أعلاه وأفضله ، كما اختار من الملائكة جبريل ومن البشر محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - ، وربك يخلق ما يشاء ويختار . وفي الطبراني من حديث أبي الدرداء قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ينزل اللّه تعالى في آخر ثلاث ساعات بقين من الليل ، فينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره ، فيمحو اللّه ما يشاء ويثبت ما يشاء ، ثم ينظر في الساعة الثانية في جنة عدن ، وهي مسكنه الذي يسكن لا يكون معه فيها أحد إلا الأنبياء والشهداء والصالحون والصديقون ، وفيها ما لم يره أحد ، ولا خطر على قلب بشر ، ثم يهبط آخر ساعة من الليل فيقول : ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له ، ألا سائل يسألني فأعطيه ، ألا داع يدعوني فأستجيب له ، حتى يطلع الفجر » « 1 » . وروى أبو الشيخ عن شمر بن عطية قال : خلق اللّه جنة الفردوس بيده ، فهو يفتحها كل يوم خمس مرات فيقول : ازدادي طيبا لأوليائي ، ازدادي حسنا لأوليائي . فتأمل هذه العناية ، كيف جعل الجنة التي غرسها بيده لمن خلقه بيده ، ولأفضل بريته اعتناء وتشريفا ، وإظهارا لفضل ما خلقه بيده وشرفه ، وتمييزه بذلك عن غيره . وروى الدارمي عن عبد اللّه بن الحارث قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « خلق اللّه ثلاثة أشياء بيده ، خلق آدم بيده ، وكتب التوراة بيده وغرس

--> ( 1 ) صحيح : أصله في البخاري ( 1145 ) في الجمعة ، باب : الدعاء في الصلاة من آخر الليل . من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - ، ولفظه ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له .